سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

294

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

وأبطل الزاعم وافتروا على اللَّه والمسلمين كذبا ، لايوجود مسلم في هذا الوقت من سني وشيعي وزيدي وإسماعيلي ووهابي وخارجي يرى مذهب الجبر المحض ويعتقد سلب الاختيار عن نفسه بالمرة ، بل كل هذه الطوائف المسلمة يعتقدون بأن لهم جزاءا اختياريا في أعمالهم ويسمى « بالكسب » وهو مناط الثواب والعقاب عند جميعهم وأنهم محاسبون بما وهبهم اللَّه من هذا الجزء الاختياري ومطالبون بامتثال جميع الإوامر الإلهية والنواهي الربانية الداعية إلى كل خير ، الهادية إلى كل فلاح وأن هذا النوع من الاختيار وهو مورد التكليف الشرعي وبه تتم الحكمة والعدل . نعم كان بين المسلمين طائفة تسمى بالجبرية ذهبت إلى أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا يشوبه اختيار ، وزعمت أن لا فرق بين أن يحرك الشخص فكه للأكل والمضغ ! وبين أن يتحرك بقفقفة البرد عند شدته ومذهب هذه الطائفة يعدّه المسلمون من منازع السفسطة الفاسدة وقد انقرض أرباب هذا المذهب في أواخر القرن الرابع من الهجرة ولم يبق لهم أثر وليس الاعتقاد بالقضاء والقدر هو عين الاعتقاد بالجبر ولا من مقتضيات ذلك الاعتقاد ما ظنه أولئك الواهمون . الاعتقاد بالقضاء يؤيده الدليل القاطع ، بل ترشد إليه الفطرة ، وسهل على من له فكر أن يلتفت إلى كل حادث له سبب يقارنه في الزمان وأنه لا يرى من سلسلة الأسباب إلا ما هو حاضر لديه ولا يعلم ماضيها إلا مبدع نظامها وإن لكل منها مدخلا فيما بعده ذلك بتقدير العزيز العليم . وإرادة الإنسان إنما هي حلقة من حلقات تلك السلسلة وليست الإرادة إلا أثرا من آثار الإدراك والإدراك أثر من انفعال النفس بما يعرض على الحواس وشعورها وبما أودع في الفطرة من الحاجات فلظواهر الكون من السلطة على الفكر والإرادة ما لا ينكره أبله فضلا عن عاقل وإن مبدأ هذه الأسباب التي ترى في مظاهر مؤثرة إنما هو تأييد مدبر الكون الأعظم الذي أبدع الأشياء على وفق حكمته وجعل كل حادث تابعا لشبهه كأنه جزء له خصوصا في العالم الإنساني . ولو فرضنا أن جاهلا ضل عن الاعتراف بوجود إله صانع للعالم ، فليس في إمكانه أن يتملص من الاعتراف بتأثير الفواعل الطبيعية والحوادث الدهرية في الإرادات البشرية ، فهل يستطيع إنسان أن يخرج بنفسه عن هذه السنة التي سنها اللَّه